اَلنّــَيْـــمــــــَة

اَلنّــَيْـــمــــــَة
مي نورالدين

_______________________________________________





لم تَكْتَرِث يومًا إن غَابَت الحديقة مِن حولِها


وإن لم يُزْهِر شجر الموز الكاذب.


لم تَعبَهْ بوقاحة اللَّبْلاب الذي استباح عودَها،


ولا الرَّيحان الذي يَنمو بغزارة على غِرارِها، لا يُطيق الوحدة.


لم تَعبَهْ بالغنمات الطُّفيلية


ولا ببكاء الحديقة كلما أَتينَ يَنْهَشْنَ ما يَسمَح السُّور به،


غير مباليات بأكياس النَّيلون المربوطة بشدة حول ضروعهن.


لم تَسأل نفسها إن كان ذلك سيترك أثرًا على أَجسادهن،


أو إن كانت السَّخلات أصلاً موافقة على مشاركة اللبن.


تُرَاقب بصمت تَبَخْتُرهن شَبْعات


حين يَرَيْنَ حُبوبه (صارَت جبْهَتَه).


تُمْطِرهن بالآلاف من اللعنات.


النَّيْمة تُرَاقب كل شيء:


كيف تُشِعُّ قُبُلات المحبِّين نورًا يلامس السماء قبل الصلوات،


كيف يُضيء العناق السريع فجأةً ظلام المدينة...


وكيف يَرتَعِش العُشب


ويقفز الجراد طربًا على همسات العاشقين.


كانت ترى ما لا يراه البشر...


تتراقص النَّيْمة دومًا


مخضرة، سمينة


أو تعبة، حليقة قبل الخريف،


في الحر والمطر سواء.


لا شيء يُوقفها أو يُعكِّر صوفَها، لا بول الكلاب والسُّكارى في حِجْرِها،


ولا الطلاسم المدفونة تحتها،


ولا صُراخ الأطفال وطعناتهم وقرصاتهم،


ولا المارُّون التعبون ودخان سجائرهم.


فالمارُّون مثيرون:


يقرؤون الجرائد،


يدهشون،


يشعرون،


ويشكرون،


يرونها بعيون الغريب، والغريب يُبصر...


لم تُمانع ولم تتذمَّر من الصعاليك كذلك،


فهي تعلم كل شيء عنهم.


قرأت محادثاتهم وسمعت تسجيلاتهم.


هي تعلم تفضيلاتهم الجنسية والإنسانية.


ولم تمحُ التاريخ الذي محَوْه من هواتفهم قبل أن يبتعدوا.


للنَّيْمة تحديدًا، دون الأشجار الأخرى،


غاية واحدة: أن تعلو وتعلو حتى ترى النيل.


حينها فقط تستطيع أن ترتاح


وتبدأ موتها البطيء الذي قد يستمر للأبد.


مارس ٢٠٢٣


Comments